فصل: تفسير الآية رقم (131):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم التنزيل المشهور بـ «تفسير البغوي»



.تفسير الآيات (110- 112):

{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا (112)}
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} الكناية راجعة إلى الذين يتبعون الداعي، أي يعلم الله {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} مَا قَدَّمُوا {وَمَا خَلْفَهُمْ} وما خلفوا من أمر الدنيا.
وقيل: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} مِنَ الآخِرَةِ {وَمَا خَلْفَهُمْ} من الأعمال.
{وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} قيل: الكناية ترجع إلى ما أي: هو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، وهم لا يعلمونه. وقيل: الكناية راجعة إلى الله لأن عباده لا يحيطون به علما. {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} ذلت وخضعت، ومنه قيل للأسير: عان. وقال طلق بن حبيب: هو السجود على الجبهة للحي القيوم، {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} قال ابن عباس: خسر من أشرك بالله، والظلم هو الشرك. {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ} قرأ ابن كثير {فلا يخف} مجزوما على النهي جوابا لقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ} وقرأ الآخرون {فَلا يَخَافُ} مرفوعا على الخبر، {ظُلْمًا وَلا هَضْمًا} قال ابن عباس: لا يخاف أن يزاد على في سيئاته، لا ينقص من حسناته.
وقال الحسن: لا ينقص من ثواب حسناته ولا يحمل عليه ذنب مسيء.
وقال الضحاك: لا يؤخذ بذنب لم يعمله ولا تبطل حسنة عملها وأصل الهضم: النقص والكسر، ومنه هضم الطعام.

.تفسير الآيات (113- 115):

{وَكَذَلِكَ أَنزلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115)}
{وَكَذَلِكَ} أي كما بينا في هذه السورة، {أَنزلْنَاهُ} يعني أنزلنا هذا الكتاب، {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} يعني: بلسان العرب، {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ} أي صرفنا القول فيه بذكر الوعيد، {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي يجتنبون الشرك، {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} أي يجدد لهم القرآن عبرة وعظة فيعتبروا ويتعظوا بذكر عقاب الله للأمم الخالية. {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} جل الله عن إلحاد الملحدين وعما يقوله المشركون، {وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ} أراد النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يبادر فيقرأ معه، قبل أن يفرغ جبريل مما يريد من التلاوة، ومخافة الانفلات والنسيان، فنهاه الله عن ذلك وقال: {وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ} أي لا تعجل بقراءته {مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} أي من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ، نظيره قوله تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} [سورة القيامة: 16] وقرأ يعقوب: {نقضي} بالنون وفتحها وكسر الضاد، وفتح الياء: {وحيه} بالنصب.
قال مجاهد وقتادة: معناه لا تقرئه أصحابك، ولا تمله عليهم حتى يتبين لك معانيه.
{وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} يعني بالقرآن ومعانيه. وقيل: علما إلى ما علمت.
وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم رب زدني علما وإيمانا ويقينا. قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ} يعني: أمرناه وأوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة من قبل هؤلاء الذين نقضوا عهدك وتركوا الإيمان بي، وهم الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: {لعلهم يتقون}، {فَنَسِيَ} فترك الأمر، والمعنى أنهم نقضوا العهد، فإن آدم أيضا عهدنا إليه فنسي، {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} قال الحسن لم نجد له صبرا عما نهي عنه. وقال عطية العوفي: حفظا لما أمر به.
وقال ابن قتيبة: رأيا معزوما حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له. والعزم في اللغة: هو توطين النفس على الفعل.
قال أبو أمامة الباهلي: لو وزن حلم آدم بحلم جميع ولده لرجح حلمه وقد قال الله: {ولم نجد له عزما}.
فإن قيل: أتقولون إن آدم كان ناسيا لأمر الله حين أكل من الشجرة؟.
قيل: يجوز أن يكون نسي أمره، ولم يكن النسيان في ذلك الوقت مرفوعا عن الإنسان، بل كان مؤاخذا به، وإنما رفع عنا.
وقيل: نسي عقوبة الله وظن أنه نهي تنزيها.

.تفسير الآيات (116- 117):

{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)}
قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى} أن يسجد. {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ} حواء، {فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} يعني: تتعب وتنصب، ويكون عيشك من كد يمينك بعرق جبينك. قال السدي: يعني الحرث والزرع والحصيد والطحن والخبيز.
وعن سعيد بن جبير: قال أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فذلك شقاؤه.
ولم يقل: فتشقيا رجوعا به إلى آدم، لأن تعبه أكثر فإن الرجل هو الساعي على زوجته.
وقيل: لأجل رءوس الآي.

.تفسير الآيات (118- 121):

{إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى (120) فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)}
{إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا} أي في الجنة {وَلا تَعْرَى} {وَأَنَّكَ} قرأ نافع وأبو بكر بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الآخرون بالفتح نسقا على قوله: {أَلا تَجُوعَ فِيهَا} {وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ} لا تعطش، {فِيهَا وَلا تَضْحَى} يعني: لا تبرز للشمس فيؤذيك حرها. وقال عكرمة: لا تصيبك الشمس وأذاها لأنه ليس في الجنة شمس، وأهلها في ظل ممدود. {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ} يعني على شجرة إن أكلت منها بقيت مخلدا، {وَمُلْكٍ لا يَبْلَى} لا يبيد ولا يفنى. {فَأَكَلا} يعني آدم وحواء عليهما السلام، {مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ} بأكل الشجرة، {فَغَوَى} يعني فعل ما لم يكن له فعله. وقيل: أخطأ طريق الجنة وضل حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عن أكله، فخاب ولم ينل مراده.
قال ابن الأعرابي: أي فسد عليه عيشه، وصار من العز إلى الذل، ومن الراحة إلى التعب.
قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال عصى آدم، ولا يجوز أن يقال: آدم عاص؛ لأنه إنما يقال عاص لمن اعتاد فعل المعصية، كالرجل يخيط ثوبه يقال: خاط ثوبه، ولا يقال هو خياط حتى يعاود ذلك ويعتاده.
حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو معاذ الشاه بن عبد الرحمن المزني، أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري ببغداد، أخبرنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن طاوس سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احتج آدم وموسى: فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده، أفتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحج آدم موسى».
ورواه عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة وزاد: «قال آدم يا موسى بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاما، قال آدم: فهل وجدت فيها: وعصى آدم ربه فغوى؟ قال: نعم، قال: أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى».

.تفسير الآيات (122- 124):

{ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)}
{ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ} اختاره واصطفاه، {فَتَابَ عَلَيْهِ} بالعفو، {وَهَدَى} هداه إلى التوبة حين قالا ربنا ظلمنا أنفسنا. {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ} يعني الكتاب والرسول، {فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} روى سعيد بن جبر عن ابن عباس قال: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله في الدنيا من الضلالة، ووقاه الله يوم القيامة سوء الحساب، وذلك بأن الله يقول: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى}.
وقال الشعبي عن ابن عباس: أجار الله تعالى تابع القرآن من أن يضل في الدنيا ويشقى في الآخرة، وقرأ هذه الآية. {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} يعني: القرآن، فلم يؤمن به ولم يتبعه، {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} ضيقا، روى عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري أنهم قالوا: هو عذاب القبر. قال أبو سعيد: يضغط حتى تختلف أضلاعه.
وفي بعض المسانيد مرفوعا. «يلتئم عليه القبر حتى تختلف أضلاعه فلا يزال يعذب حتى يبعث».
وقال الحسن: هو الزقوم والضريع والغسلين في النار.
وقال عكرمة: هو الحرام. وقال الضحاك: هو الكسب الخبيث.
وعن ابن عباس قال: الشقاء. وروى عنه أنه قال: كل مال أعطى العبد قل أم كثر فلم يتق فيه فلا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة، وإن أقواما أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين، فكانت معيشتهم ضنكا، وذلك أنهم يرون أن الله ليس بمخلف عليهم فاشتدت عليهم معايشهم من سوء ظنهم بالله.
قال سعيد بن جبير: يسلبه القناعة حتى لا يشبع.
{وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} قال ابن عباس: أعمى البصر. وقال مجاهد أعمى عن الحجة.

.تفسير الآيات (125- 127):

{قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127)}
{قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا} بالعين أو بصيرا بالحجة. {قَالَ كَذَلِكَ} أي كما {أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا} فتركتها وأعرضت عنها، {وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} تترك في النار. قال قتادة: نسوا من الخير ولم ينسوا من العذاب. {وَكَذَلِكَ} أي وكما جزينا من أعرض عن القرآن كذلك {نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ} أشرك، {وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ} مما يعذبهم به في الدنيا والقبر، {وَأَبْقَى} وأدوم.

.تفسير الآيات (128- 130):

{أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأولِي النُّهَى (128) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130)}
{أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} يبين لهم القرآن، يعني: كفار مكة، {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} ديارهم ومنازلهم إذا سافروا. والخطاب لقريش كانوا يسافرون إلى الشام فيرون ديار المهلكين من أصحاب الحجر وثمود وقريات لوط.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأولِي النُّهَى} لذوي العقول. {وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى} فيه تقديم وتأخير، تقديره: ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى، والكلمة الحكم بتأخير العذاب عنهم، أي ولولا حكم سبق بتأخير العذاب عنهم وأجل مسمى وهو القيامة لكان لزاما، أي لكان العذاب لازما لهم كما لزم القرون الماضية الكافرة. {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} نسختها آية القتال {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}، أي صل بأمر ربك. وقيل: صل لله بالحمد له والثناء عليه، {قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ} يعني صلاة الصبح، {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} صلاة العصر، {وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ} ساعاتها واحدها إنى، {فَسَبِّحْ} يعني صلاة المغرب والعشاء. قال ابن عباس: يريد أول الليل، {وَأَطْرَافَ النَّهَارِ} يعني صلاة الظهر، وسمى وقت الظهر أطراف النهار لأن وقته عند الزوال، وهو طرف النصف الأول انتهاء وطرف النصف الآخر ابتداء.
وقيل: المراد من آناء الليل صلاة العشاء، ومن أطراف النهار صلاة الظهر والمغرب، لأن الظهر في آخر الطرف الأول من النهار، وفي أول الطرف الآخر، فهو في طرفين منه والطرف الثالث غروب الشمس، وعند ذلك يصلي المغرب.
{لَعَلَّكَ تَرْضَى} أي ترضى ثوابه في المعاد، وقرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم {ترضى} بضم التاء أي تعطى ثوابه. وقيل: {تَرْضَى} أي يرضاك الله تعالى، كما قال: {وكان عند ربه مرضيا} [مريم: 55] وقيل: معنى الآية لعلك ترضى بالشفاعة، كما قال: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} [الضحى:5].
أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الخطيب الحميدي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني إملاء، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله السعدي، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: «إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا»، ثم قرأ {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا}.

.تفسير الآية رقم (131):

{وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)}
قوله تعالى: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} قال أبو رافع: نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فبعثني إلى يهودي فقال لي: «قل له إن رسول الله يقول لك بعني كذا وكذا من الدقيق وأسلفني إلى هلال رجب» فأتيته فقلت له ذلك فقال: والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: «والله لئن باعني وأسلفني لقضيته وإني لأمين في السماء وأمين في الأرض، اذهب بدرعي الحديد إليه» فنزلت هذه الآية: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} لا تنظر، {إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ} أعطينا، {أَزْوَاجًا} أصنافا، {مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي زينتها وبهجتها، وقرأ يعقوب زهرة بفتح الهاء وقرأ العامة بجزمها، {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أي لنجعل ذلك فتنة لهم بأن أزيد لهم النعمة فيزيدوا كفرا وطغيانا، {وَرِزْقُ رَبِّكَ} في المعاد، يعني: الجنة، {خَيْرٌ وَأَبْقَى} قال أبي بن كعب: من لم يتعز بعز الله تقطعت نفسه حسرات، ومن يتبع بصره فيما في أيد الناس بطل حزنه، ومن ظن أن نعمة الله في مطعمه ومشربه وملبسه فقد قل عمله وحضر عذابه.